القراءة كعادة؟ الأمر ليس عسيرًا، دعنا نجعل شهر رمضان خطوتك الأولى!

< القراءة يا عزيزي، وما أدراك ما القراءة.. أنا هنا لن أهيم عشقًا بالكتب والأدب، ولن أتحدث على لسان المُتيَّم الذي يرتشف الصفحة تلو الأخرى بعدد أنفاسه. بل سأتحدث من منظور القارئ الذي يرى في القراءة فعلًا، وسيلة للتحايل على الواقع. شئت أم أبيت، الواقع يتغير باستمرار، والتاريخ يشهد أن الذين لم يتغيروا من أجل التكيُّف معه، أصبحوا نسيًا منسيًّا. ولكوني أؤمن بقدرة القراءة على تغيير النفوس للأفضل، أؤمن كذلك بأن جعلها عادة يومية، وبصفة خاصة في شهر رمضان. ليس بالأمر الصعب على الإطلاق. الأمر ببساطة يحتاج إلى مجموعة قواعد، في البداية ستكون مزعجة للغاية، لكن مع الوقت تجدها ممتزجة بروتينك اليوم، وبفضلها لن تصبح نفس الشخص الذي كنت عليه أبدًا.

القراءة في شهر رمضان

مقال كامل عن القراءة فقط؟ ما الهدف؟

اليوم سوف أطرح عليكم بعض النصائح التي أثمرت معي فعلًا، وجعلت القراءة روتينًا يوميًّا في حياتي. ونحن الآن في أيام شهر رمضان الكريم، وتصادف أيضًا أننا نجلس في بيوتنا أكثر من المعتاد، بسبب تحوُّل فيروس كورونا من وباءٍ إلى جائحة عالمية. لذلك معنا الكثير من الوقت ليُستثمر، والعديد من النصائح لتُتَبع.

فلاسفة، سياسيّون، ورجال أعمال يصفون القراءة !

لكن قبل أن ندخل في صلب الموضوع، دعونا نتعرف قليلًا على رأي رؤوس أقلام التاريخ في القراءة. وفي الواقع، ربما لن تتوقع أن تلك الكلمات، تخرج من أفواه بشرٍ يبدون من الخارج بعيدين تمامًا عن الثقافة والأدب!

بيل جيتس

القراءة في رمضان - بيل جيتس
“القراءة الرقمية سوف تنتشر. إنها خفيفة ورائعة للمشاركة، ومع مرور الوقت سوف تصبح القراءة المسيطرة”.

بدون شك، هذا الرجل هو أحد أغنى وأشهر رجال العالم الآن. هو الرجل الذي بنى صرح (مايكروسوفت)، وعلى الأرجح إذا كنت تقرأ هذه الكلمات من حاسوب شخصيّ أو محمول، فأنت تقرأها من خلال نظام التشغيل (ويندوز) الذي ابتكره هو أيضًا.

ربما للوهلة الأولى تعتقد أن هذا الرجل تكنولوجي بحت، لا يمكن أن يهتم بالقراءة. القراءة بالنسبة للمُبرمجين مملة للغاية ورتيبة وخالية من الديناميكية، على عكس أكوادهم. لكن الأمر مع بيل جيتس مختلف، القراءة مع بيل جيتس تنطوي على إصدار قائمة كتب سنويّة يُشرحّها بنفسه للجمهور حول العالم. لدى بيل جيتس، القراءة تعني التقدم والحياة.

دونالد ترامب

القراءة في رمضان - دونالد ترامب
“القراءة تبين لك كيف تكون إنسانًا أفضل”.

مهما كانت تصرفاته خرقاء هذه الأيام بالنسبة لفن إدارة الأزمات في الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب هو نموذج فذّ للغاية في فن (خلق الأموال من العدم). هذا الرجل لديه حنكة اقتصادية مهولة، وهي التي جعلته في الأساس يصل إلى منصبه الحالي، وربما هي التي جعلته محبوبًا لدى الشعب بالرغم من قصر نظره في أمور عديدة.

والعبقرية الاقتصادية لا تأتي فقط بالاحتكاك مع السوق والمستثمرين، بل أيضًا تأتي عبر قراءة لغة الجسد وفهم الفلسفات والدوافع، فبالتالي تستطيع اللعب على أوتارها لصالحك. وهنا كانت فائدة القراءة لدى دونالد ترامب: السيطرة!

آرثر شوبنهاور

القراءة في رمضان - آرثر شوبنهاور
“القراءة تعادل المعرفة مع رأي شخصٍ آخر، بدلًا من التفكير في شخصٍ آخر”.

فيلسوف التشاؤم، أو هكذا يُطلقون عليه. هو الرجل الذي عندما تقرأ له، تشعر أنك تريد الانتحار، أو قتل البشر جميعهم، ثم قتل نفسك بعدها. لكن بالرغم من تشاؤمه المفرط، إلى أنه أتى نِتاج وعي، والوعي لا يُبنى على أرضٍ ليّنة.

لكي تخرج للعالم بفلسفة تشاؤمية، يجب عليك أولًا القراءة في الكثير من المواضيع، وبتعمُّق، لتبدأ بعدها المقارنة، وتصيّد الأخطاء التي تُظهر القبح الموجود في العالم. هذا مجهود جبّار في الواقع، وأتى عن طريقه قراءة حصيفة لكتب عديدة.

والآن.. إلى النصائح! القراءة في شهر رمضان، تحتاج إلى دراسة جسد الصائم جيدًا

القراءة في رمضان، تحتاج إلى دراسة جسد الصائم جيدًا
القراءة في شهر رمضان، تحتاج إلى دراسة جسد الصائم جيدًا

ما هي أنسب فترة للقراءة؟ الإجابة على هذا السؤال هي إجابة شخصية تمامًا، وليس بالضرورة أن تنطبق على حياتك. لكن على كلٍ، هذا المقال عبارة عن تجربة شخصية في الأساس. فإذا وجدت ما سأقوله الآن مطابقًا لروتينك اليومي، فمبارك عليك يا صديقي.

في شهر رمضان، أحب أن أقسم اليوم إلى أربعة فترات تكون فيهم مستيقظًا (وهذا على افتراض أنك ستصوم اليوم بأكمله). وهي كالآتي:

  • الأولى – فترة العمل: هي فترة الصباح، والتي تمتد من الـ 6 صباحًا، وحتى الـ 12 ظهرًا. بالنسبة لي، فترة الصباح تكون للعمل والمهام التي تحتاج إلى استفاقة كبيرة. وذلك لكون جسدي ما زال محتفظًا بمخزوق طاقة كبير جاهز للحرق بفضل وجبة السحور.
  • الثانية – الفترة الذهبية: هي فترة المجهود المتوسط، وتمتد من 12 ظهرًا، وحتى الـ 3 عصرًا. عند بدء الفترة الثانية، تبدأ تشعر بالجوع، لكن لا يكون قويًّا. هنا عليك أن تبدأ القراءة، تلك الفترة تجعلك تقرأ في هدوء شديد، حتى يقتلك الجوع على نهايتها.
  • الثالثة – فترة الملل: وتمتد من 3 عصرًا، وحتى الـ 6 مساءً. ثم تبدأ في الفترة الثالثة، فترة الراحة حتى ميعاد الإفطار.
  • الرابعة – فترة اللعب: هي الترفيه، وتمتد من الـ 6 مساءً، وحتى الـ 3 بعد منتصف الليل. أما في الفترة الرابعة، لا تقرأ على الإطلاق، تلك الفترة في العادة ما تحتاج إلى الترفيه واللعب. لأن جسدك الآن يُسخِّر قدراته كلها لهضم وجبة الطعام الضخمة التي أدخلتها إليه للتوّ، لذلك عقلك لن يكون في كامل قواه فعلًا.

القراءة مجهدة، لا تقسو على نفسك

القراءة مجهدة، لا تقسو على نفسك
القراءة في شهر رمضان مجهدة، لا تقسو على نفسك.

في الصيام، جسدك يعمل بالطريقة المعهودة، لا يستطيع بسهولة التكيُّف على الوضع الجديد الذي جعلته مُجبرًا عليه بغتة. وخلال فترة التكيُّف تلك، ستعاني بشدة. لماذا؟ لأن جسدك يحرق بنفس المعدلات، ويستهلك بنفس المعدلات، ويُشعرك بالجوع بنفس المعدلات كذلك. هكذا لن تجد طاقة كافية للقراءة، لأن القراءة في الأساس عملية مُرهقة ذهنيًّا إلى أقصى حد.

عندما تقرأ أي رواية، تشرع مجموعة من التروس في عقلك بالانغلاق على بعضها البعض، وتبدأ في الالتفاف بحركة ديناميكية مُغذّاة بمولد طاقة. التروس تعمل من أجل إدخالك في الحيّز البصري التخيلي المطلوب لأحداث القصة. هذا رائع، لكن لا يجب نسيان مولد الطاقة، إنه محدود، ويحتاج إلى شحن يا رفيقي.

ولن تستطيع شحنه إلا عند الإفطار. لذلك أرجوك، لا تجعل روح القارئ تُدمر جسمك. أنا أعلم، الروايات الجيدة لن تستطيع إغلاقها إلا عندما تخور قواك فعلًا، ولا تستطيع فتح عينيك حتى. لكن في رمضان، الوضع مختلف. اقرأ، لكن عندما تشعر بالتعب، اترك الرواية فورًا. لا تخاطر بجسدك.. أنت لست بآلة..

القراءة ليست فرضًا، إنها للمتعة فحسب

القراءة ليست فرضًا، إنها للمتعة فحسب
القراءة في شهر رمضان: التعامل مع القراءة على أنها فِعل إلزامي، يقتل الفائدة والمتعة كلها.

يجب أن تضع هذه العبارة في عقلك جيدًا، وتحفرها فيه حفرًا: “القراءة فن. والفنون للمتعة، لا تعذيب الذات”.

لا تتعامل مع القراءة على أنها وسيلة لتعذيب الذات. لن يُعايرك أحدهم بقِلة الثقافة مثلًا أو الوعي عندما تقول له أنك لا تقرأ 200 صفحة في اليوم. لا تعتقد أن (الكمّ) يجعلك مثقفًا، ولا تعتقد أن (الكيف) يجعلك أيضًا. الأمر كله مرهون باستمتاعك، واستمتاعك أنت فقط، دونًا عن غيرك. إذا لم تكن مستمتعًا بما تفعل، فما الفائدة منه؟ ألن تصبح القراءة هكذا كأي عمل حكومي مُجبر على القيام به يوميًّا من أجل الحصول على راتب يجعل الناس يقولون: “صاحب الراتب الكبير هناك”؟

التعامل مع القراءة على أنها فِعل إلزامي، يقتل الفائدة والمتعة كلها. لكن إذا تعاملت معها كفن هدفه الأول هو الإمتاع، ستجد نفسك تتعلق بالأعمال التي تقرأها أكثر وأكثر، بل وتستطيع استنباط أكثر من معنى للنصّ الواحد الذي أمامك. وهذا لكون المتعة تُحفِّز الإبداع لديك، وتُخرجك بأقصى استفادة ممكنة من الشيء الذي تقوم به، أيًّا كانت صورة هذا الشيء (قراءة، لعب، كتابة، رسم، إلخ..).

اقرأ ولو صفحة، استمتع ولو بصفحة، هذا سيعني لك الكثير فعلًا. تأثير الفراشة هو الذي يجب أن ترنو إليه، قراءة صفحة اليوم، يعني الاستدامة على القراءة لاحقًا. تأثير الفراشة هنا أقوى بمراحل من قراءة 200 صفحة في يوم واحد ليوم واحد، وفي المقابل لن تستمر في ذلك طويلًا، وستكره الأمر برمته في النهاية.

أهذا كل شيء؟

بالطبع هذا ليس كل شيء. النصائح لا تنتهي، في الواقع كتبت أكثر من 20 نصيحة للقراءة في شهر رمضان أثناء التحضير لهذا المقال. لكن في النهاية قلت أن الاختصار هو الأنسب، حيث أنك في الغالب سوف تقرأ هذه الكلمات وأنت صائم، ولا أريد استهلاك طاقة حرق وجبة سحورك أكثر من ذلك.

اقرأ بهدوء، اقرأ بمتعة!

وآخيرًا.. هذه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى